كيف تلتهم صفقات 'المحسوبية' مستقبل الابتكار و أحلام الشباب الموريتاني في المهد؟
حسب بحث مسرع قمت به مؤخرا، تُمثل ما يسمى إنتاجية العوامل الكلية (Total Factor Productivity - TFP) المحرك الخفي للنمو الاقتصادي المستدام؛ فهي لا تقيس كمية الموارد المستخدمة (مثل عدد العمال أو حجم الآلات)، بل تقيس مدى كفاءة وذكاء استخدام تلك الموارد.
فمن الناحية العلمية، تُعد الـ TFP انعكاساً مباشراً لمستوى الابتكار التقني وجودة إدارة المشاريع. عندما تخصص الدولة مواردها بناءً على الكفاءة بدلاً من المحسوبية، ترتفع هذه الإنتاجية، مما يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية واستقرار العملة الوطنية دون الحاجة لزيادة مفرطة في الاستثمارات المادية.
ويشير البنك الدولي إلى أن تحسين هذا المؤشر يعد مفتاحاً لتنويع الاقتصاد الموريتاني بعيداً عن القطاعات الاستخراجية [1، ص. مصدر14]. وهنا يكمن اهتمامى في فيما قد يعيق هذا التنوع خاصة عند الحديث عن الابتكار الذي يعتبر الرافد الأول لتنوع الاقتصاد.
كيف تقتل المحسوبية أحلام الابتكار في مهدها إذا؟
تؤكد الدراسات الاقتصادية الحديثة أن تدخل المسؤولين (مثل الوزراء) لتوجيه العقود نحو شركاتهم الخاصة يؤدي إلى ظاهرة "التخصيص السيئ للموارد" (Misallocation of Resources). في هذه الحالة، تفوز الشركات "القريبة" سياسياً بدلاً من الشركات "الأكثر ابتكاراً"، مما يؤدي إلى جمود في التطور التقني. هذا التشويه لا يقلل من جودة المشاريع فحسب، بل يعمل كـضريبة خفية تقتطع من الناتج المحلي الإجمالي؛ حيث تُظهر الأبحاث أن البلدان التي تعاني من محسوبية عالية تسجل مستويات TFP أقل بنسبة تتراوح بين 15% و30% مقارنة بالبيئات التنافسية. هذا الانخفاض يترجم مباشرة إلى تباطؤ في نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي وفقدان فرص العمل النوعية [2، ص. 110].
ماذا فعلت الدول الأخرى؟
عندما بحثت قليلا وجدت أن تجربة كوريا الجنوبية من أوضح الأمثلة عالمياً؛ حيث انتقلت من اقتصاد يعتمد على العمالة الكثيفة إلى اقتصاد تقني متطور عبر رفع الـ TFP. ركزت الدولة على دعم الشركات بناءً على أهداف تصديرية وكفاءة تقنية صارمة، مما جعل الابتكار هو المساهم الأكبر في نموها الاقتصادي بنسبة تتجاوز 40% من إجمالي نمو الناتج المحلي [3، ص. 22]. وبالمثل، شهدت دول شرق أوروبا (مثل بولندا) قفزة في الـ TFP بعد تطبيق قوانين صارمة ضد تضارب المصالح واعتماد مناقصات شفافة، مما سمح للشركات التكنولوجية الناشئة بقيادة النمو [2، ص. 118]. من الظاهر بعد قفزة التطبيقات الاخيرة ان الشباب الموريتاني قادر على رفع الـ TFP اذا تم فتح الابواب امامهم.
في إفريقيا تشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن دولاً مثل رواندا استثمرت في "ثقافة إدارة المشاريع" والرقمنة لتقليل التدخل البشري في الصفقات العمومية. هذا التوجه ساهم بشكل مباشر في رفع الـ TFP وجعلها من أسرع الاقتصادات نمواً في القارة. في المقابل، تعثرت اقتصادات أخرى بسبب بقاء العقود والامتيازات التجارية في يد "النخب السياسية"، مما أدى إلى هروب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) وانكماش حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لضعف التنافسية والابتكار [4، ص. 45].
الخلاصة لواقع موريتانيا ( وعلاقتها بمؤشرات موريتانيا النسخة الثانية الستة)
إن رفع إنتاجية العوامل الكلية في موريتانيا يتطلب حتماً رفع مؤشر ثقافة إدارة المشاريع ومؤشر إنتاج الابتكار. وبدون وجود جدران عازلة تمنع المسؤولين من استغلال مناصبهم تجارياً، ستظل الـ TFP منخفضة، وسيبقى النمو الاقتصادي رهيناً بأسعار المواد الخام (الذهب والحديد) بدلاً من أن يكون مبنياً على كفاءة الإنسان الموريتاني وابداعه [1.3].
بطريقة أكثر وضوحا -- وهنا أود أذكر أن هذا ليس موجها ضد أي شخص معين او شركه معينه -- من المهم الانتباه الى عدم سد الطريق أمام الشركات الناشئة من طرف تلك المقربة من أصحاب القرار أو من تلك الناجحه حديثا بذريعة نجاحاتها السابقة.
المراجع (References in IEEE Style)
[1] International Monetary Fund (IMF), "Mauritania: 2024 Article IV Consultation-Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Mauritania," IMF Country Report No. 25/01, Jan. 2025. [Online]. Available: https://www.imf.org/-/media/files/publications/cr/2025/english/1mrtea2025001-source-pdf.pdf (pp. 14, 23, 30).
[2] B. Toth and M. Fazekas, "The Impact of Political Connections on Total Factor Productivity," Journal of Comparative Economics, vol. 52, no. 1, Jan. 2024. [Online]. Available: https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S014759672300084X (pp. 110-120).
[3] International Monetary Fund (IMF), "Total Factor Productivity and Economic Growth in Sub-Saharan Africa," IMF Working Paper, 2023. [Online]. Available: https://www.imf.org/-/media/Files/Publications/WP/2023/English/WPIEA2023022-print-pdf.pdf (pp. 22-25).
[4] African Development Bank (AfDB), "Mauritania: Country Strategy Paper 2023-2028," 2023. [Online]. Available: https://www.afdb.org/en/documents/mauritania-country-strategy-paper-2023-2028 (pp. 45-48).